محمود ماضي

48

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا » « 1 » . ثانيها : أن خلوة النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » مترتبة على الرؤيا الصالحة التي هي قسم من أقسام الوحي ، فإن قيل : « أمر الغار قبل الرسالة ، فلا حكم . أجيب بأنه أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة ثم حبب إليه الخلاء . . . فدل ذلك على أن الخلوة حكم مترتب على الوحي لأن كلمة ثم للترتيب ، فكان ذلك أمعن في الذهاب إلى أن التحنث لم يكن تبعية لعادة ولا رياضة نفسية خاصة ، بل كان وحيا بوحي من عند اللّه ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته » « 2 » . ثالثها : أنه « صلّى اللّه عليه وسلّم » خاف على نفسه لما رأى الملك أول مرة . . . » « 3 » فلم يكن « صلّى اللّه عليه وسلّم » ينتظر النبوة ولا متهيئ لها ، وإلا لما خاف على نفسه ، ولو كان كذلك « لظهر عقب ذلك ما كانت تنطوى عليه نفسه الوثابة » « 4 » . ولكن لا يعنى ذلك أن كل من رأى رؤيا صادقة تحنث . والمعنى أن النبي « صلّى اللّه عليه وسلّم » كان يرى الرؤيا فتقع كما رأى ، وتلك إرهاصات الوحي ، وكانت مدته قبل وحى اليقظة الصريح ستة أشهر « 5 » . ولقد كان ذلك هو الحال مع إبراهيم عليه السلام حين نزل الأمر بذبح إسماعيل فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ [ الصافات : 102 ] فضلا عن دلالته على أن رؤيا الأنبياء أمر إلهي يترتب عليه آثار سلوكية ، فإنها « كلها وحى مقطوع على صحته » « 6 » . مراتب الوحي ووسائله : - حددت الآية ( 51 ) من سورة الشورى ضروب تكليم اللّه تعالى لأنبيائه - وإن كان هذا الأمر لا يعرف كنهه - : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) . تضمنت الآية ثلاث مراتب للوحي : المرتبة الأولى : وهو المراد بقوله تعالى : أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً وهو نفث

--> ( 1 ) - العسقلاني : السابق . ( 2 ) - القسطلاني : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج 6 ص 34 . المطبعة الأميرية بمصر سنة 1304 ه . ( 3 ) - رشيد رضا : الوحي المحمدي ص 93 - 94 الطبعة السادسة 1380 ه . ( 4 ) - المرجع السابق . ( 5 ) - البيهقي : دلائل النبوة ج ! ص 393 ط أولى . دار النصر للطباعة . القاهرة . ( 6 ) - ابن حزم الفصل ج 5 ص 14 . مكتبة السلام العالمية . القاهرة ( ب - ت )